ابن عطاء الله السكندري
92
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
بينهما ، هذا عهد نبينا إلينا ، وعهدنا إليكم » « 1 » ، أي : إعلامه لنا وإعلامنا لكم بما يلتزم . ( والمسؤول ) من : سأل ، وسأل بمعنى طلب : إما طلب علما ، وإما طلب شيئا ، فإن كانت الأولى تعدى الفعل إلى المفعول الثاني ب ( عن ) ، تقول : سألته عن كذا فأجابني ، وإن كانت الثانية تعدى الفعل إليه بنفسه ، تقول : سألته ثوبا فأعطانيه . فقوله تعالى : إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا ( 34 ) : إذا كان من الأولى فالأصل ( مسؤولا عنه ) فحذف إيجازا لظهور المراد ، وإذا كان من الثانية فلا حذف ، والمعنى حينئذ : ( مطلوب ) أي : مطلوب الوفاء به . ضرورة الوفاء بالعهد : الوفاء بالعهد شرط ضروري لحصول السعادتين : عهد اللّه تعالى لعباده هو ما شرعه لهم من دينه ، فوفاؤهم بعهده قيام بأعباء ذلك الدين الكريم ، وانتظام شؤونهم في هذه الحياة - أفرادا وجماعات وأمما - متوقف على الوفاء من بعضهم لبعض بما بينهم من عهود ؛ فالوفاء ضروري لنجاة العباد مع خالقهم ؛ ولسلامتهم من الشرور والفوضى والفتن ، وضروري - إذن - لتحصيل سعادة الدنيا وسعادة الآخرة . ولمكانة هذا الأصل وضرورته تكرر في الكتاب والسنة الأمر به على وجه عام بين الأفراد والأمم ، بلا فرق بين الأجناس والملل ، وجاء هنا في آية الوصاية باليتيم - وهي آية حفظ الأموال باحترام الملكية - لوجهين : الأول : أن الكافل لليتيم قد أعلن بكفالته - بلسان حاله - أنه ملتزم لحفظه في بدنه وماله ، فهذا عهد منه يطالب بالوفاء به ، ويسأل عن ذلك الوفاء . الثاني : أن الآية في حفظ الأموال وعدم التعدي على ملك أحد . والناس يتعاملون بحكم الضرورة ، ويبنون تعاملهم على تبادل الثقة والعهود المبذولة من بعضهم لبعض بلسان المقال أو بلسان الحال ، فأمروا بالوفاء بالعهد الذي هو أساس للتعامل ، وفي ذلك سلامة مال كل أحد من التعدي عليه . ولا ينافي هذا عموم اللفظ الذي يقتضى الأمر بالوفاء عاما ، لأنه باق على عمومه ، وإنما يدخل فيه هذان الوجهان المذكوران في ارتباط النظم دخولا أوليا . ومن بديع إيجاز القرآن في نظم الآيات أن يؤتى باللفظ مفيدا للعام ، ومقويا للخاص .
--> ( 1 ) رواه مالك في الموطأ ( 2 / 633 ) .